حبيب الله الهاشمي الخوئي
155
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
فالوالي المتكبّر منازع للَّه تعالى في صفة لا يليق إلَّا بجلاله مثل الغلام الَّذى أخذ قلنسوة الملك فوضعها على رأسه وجلس على سريره فما أعظم استحقاقه للمقت والخزي وما أقبح ما تعاطاه وأشدّ جرأته على مولاه وأفحش سفهه عند أهل البصيرة هذا . ولمّا ذكر اجمالا أنّ المشاهد لجمال الربوبيّة يصغر في نظره ما سواه وأنّ أحقّ النّاس بمشاهدة جلاله واستصغار غيره هو من فاز لعظيم نعمة المعرفة وعقّبه بذكر حالة الولاة من حبّهم للفخر والكبر واتّهامهم بذلك . أردف ذلك بالتصريح على براءة نفسه القدسية من هذه الحالات ونزاهته عن حبّ الاطراء والثناء بمقتضي مشاهدته لجلال الربّ تعالى فقال : ( وقد كرهت أن يكون جال في ظنّكم أني أحبّ الاطراء ) أي المجاوزة عن الحدّ في المدح والمبالغة فيه ( واستماع الثناء ) قال بعض الشارحين : جولان الظنّ حصول المعني في النفس من غير إذعان كامل ، وكراهته عليه السّلام له يدلّ على كراهته للاذعان التامّ بطريق أولى . ( ولست بحمد اللَّه كذلك ) أي محبا لها ( ولو كنت احبّ أن يقال ذلك ) أي لو أحببت الاطراء والثناء والتعظيم والتّبجيل بما فيه من التذاذ النفس ( لتركته ) قطعا ( انحطاطا للَّه ) وتذلَّلا لأجله وتصاغرا ( عن تناول ما هو أحقّ به ) منّي ومن كلّ أحد ( من العظمة والكبرياء ) ويحتمل أن يكون أحقّ بمعني حقيق غير مراد به التفضيل كما في قولهم العسل أحلي من الخلّ وهو الأظهر بل أولى لأنّ العظمة والكبرياء لا يليق إلَّا به تعالى كما قال في الحديث القدسي : الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في جهنّم ولا أبالي . وفي كلامه عليه السّلام إشارة إلى أنّ الاطراء والثناء يجران إلى الكبر وذلك أنّ المادح إذا بالغ في المدح وذكر مناقب الممدوح ومحاسنه واثنى عليه بها يورث ذلك في الممدوح الارتياح والاهتزاز واستعظامه لنفسه بما فيها من المناقب والمحاسن واستحقاره بغيره لخلوّه منها ، وليس الكبر إلَّا عبارة عن ذلك .